
لازتُ هادئة ، و إن بدوتُ عكس ذلك.
لا زال كوب الشاي بالحليب يدفئ قلبي. و قدح الكاكاو يفعل بي ما يفعله الويسكي. لازالت الشجرة على أول شارعنا ترمي زهرة بنفسجية في طريقي، و لا زلتُ أحب أن أصدِّق أن هنالك ولد كان يطيِّر طيارته ، و حين انشبكت بأفرع الشجرة و تسلَّقها الولد ليخلِّص طيارته منها ، لم يتمكن. لأنه لم يكن يعرف كيف يربط رباط حذاؤه . و من لا يعرف كيف يربط حذاؤه ، لا يتمكن من حل المشكلات التي يسقط قدمه فيها. و ظل الطفل فوق الشجرة للأبد ، و ظل الطفل يغازلني للأبد ، و ظل الطفل طفلاً للأبد .
لازلتُ أراقب شرائط الدخان يتصاعد من عود البخور ، يتراقص ، ثم يتبدد في الهواء . لازلتُ أرتدي البلوفر الأخضر، و أشعر بنفس بهجة الدغدغة حين أحك ذقني بعنقه مرة تلو مرة. لازلت أحب الراديو ، و ساعات الليل المتألِّقة و هي تسير ببطء و ثقة . لازالت البلوزة البيضاء الفضفاضة تبهجني. كل مرة أرتديها كأنها أول مرة. و لها نفس تلك الرائحة القديمة التي كانت لإحدى صديقاتي القدامى.لازلتُ أحب شرب الحليب البارد، مع سندوتش الجبن الرومي في العيش الشامي المحروق عند الحواف. لازلت أدندن نفس الأغنيات و أنا أغسل أقداح الليال الماضية في الصباحات التي تليها، و في نفس الأثناء، أتحمم بالشمس ، و أبتسم لوجه جارتنا التي تسكن أمامنا ، و تدخن دون علم أولادها ، و تنفض سجائرها و ترمي أعقابها من نافذة المطبخ . نفس الأغنيات. نفس الصوت. نفس الشمس. نفس الجارة الطيبة .. مزيد من المتعة في كل مرة.
لازلتُ أبتاع لأمي حلوى النعناع ، و الفراولة لنفسي، و الشيكولاتة لأختيَّ. بينما طرتُ كالمراهقة حين اشترت لي احداهما حمالة الصدر التي أتتني في أحد أحلامي. و في كل مرة أرتديها، تلتقط قلبي برفق في قبضة من قطن. لازلتُ أنظر للشمس من خلال البِلي الصغير. لازال طابور النمل الطويل يمتص انتباهي، و يشعرني بضآلتي ، و إن بدوتُ العكس. أرمي له بفتات العيش الفينو. و أراقبه يساعد بعضه في لملمتها.
لازلت أرتعش تلك الرعشة التي لا تضاهى ، حين يبدأ الآيس كريم في الذوبان في فمي، و حين ألتقط تلك الرائحة للقرفة قبل فورانها بثوانٍ. لازلتُ أحب الفُل، و أحب نظرة الضجر التي تبادلني إياها صديقتي حين أضع بعضاً من عطره على ظهر كفها.
لازلتُ من وقت لآخر أنام و موبايلي بجواري على الوسادة، أنير شاشته كل نصف دقيقة. لا انتظار مكالمة ، و لكن بهجة نقطة النور التي تذوب و تشعرني و كأنني عُرضة للذوبان في الظلام أنا الأخرى . دون مَن يشعر. دون مَن يدري.
من حين لآخر ، أشعر بصدري يتسع للعالم بأكمله. أشعر بتلك الدهشة التي من فرطها ، تأخذني للبكاء و أنا قريرة العين . صار لي وقت طويل الآن ... أطول مما ظننتُ انه بامكاني. و رأيت أنني لازت قادرة على الاندهاش.
تلك البسمات الرائقة على صفحات أوجه الناس.. كل تلك السعادة.. كل تلك الخفة .. تمنحني ذلك الاندهاش ، الانتعاش .. و إن بدا عكس ذلك .