Thursday, January 28, 2010

رجــــل الـــســـمـــاء


عادت الشمس . و صار كل شيء على ما يرام .

ألا تكفيكم كل هذه الأيام من اللون الرمادي؟ و ألا تملُّوا التحايل على برود هذا اللون بالكوفيات المزركشة ، و البلاطي الطويلة الثقيلة ذات الأزرار الضخمة ، التي لا تمكنكم من رفع أذرعكم للأعلى و لو مرة واحدة في اليوم .

عادت الشمس لتفقأ الأعين الكسولة تلوِّن الأشياء ، و لتجفف بـِركـات الوحل على جوانب الطرق ، و تؤمِّن لكم السير الآمن . و فرد كفوفكم ، و قبضها . و ابعاد اصابعكم عن بعضها ، و إعادة تقريبها ، و تأمـُّل تلك المساحات التي ستتشكَّل و تتخللها . و كيف ستبدو الأصابع حمراء وردية . لون قبلات الصباح .

و يمكنكم ارتداء البرتقالي على الأحمر . مع شال أخضر زيتي ، و السير تحتها بثقة . و خلع نظارات الشمس العملاقة التي تحجب لمعة العين و بسمات الروح .

ألا تعلمون السر؟

في وجود الشمس ، لا تتواجد سوى الأعين الجميلة . لا توجد سوى الشمس هي من تفهم أعينكم جيداً ، و تعلم زوايا انعكاس اللمعة لأعين الآخرين .

فقط هي ...

أنا لا أتحدَّث بقلبي سوى بالعربية . لكنني أعلم أن الشمس في اللغة الفرنسية مذكـَّر . بينما القمر مؤنـَّث ... و أنا لا أتحدث الفرنسية . لكنني قادرة على هذه اللعبة التي تمكنني من اعتبار الشمس رجل . فقط طلَّته في وجهي ، تشرح قلبي ، و تأخذني للاحتفال به كل يوم . أقدر في حضوره أن أترك خصلاتي مهما كان شكلها . ففي حضوره ، لا يوجد مكان للخصلات القبيحة ، كلها ملوَّنة . حتى و إن كانت حالكة السواد .

أنا أحب هذا الرجل الذي يأتي إليَّ كل صباح ، يلوِّن الحياة و يبعث فيَّ الدفئ . و الرغبة الحقيقية في الاستسلام لحضنه مهما طال .

اليوم ، نظرتُ له في عينه المثبتة في السماء . و نظرتُ بعيني المجرَّدة . و رأيت كل الألوان تحوم حول هالة من البياض . و كان البياض من نوره ... و الألوان تطفو من عيني أنا .

على الرجال اللذين يسيرون على الأرض التعلـُّم من الشمس كيف يكونون رجالاً بحق . يبعثون الحرارة و الأمان . و يخرجون من العظام أوجاع البرد و كسل اللون الرمادي . و يمنحون لنا من أنفسنا خيالات و ظلال نطاردها . و نتأملها ، و نختال بها .

أنا أحب الشمس . و أغلق عيني هذه الأيام و أبتسم شماتة في هؤلاء اللذين يحبون الشتاء . و لا أشعر بالأسف على شيخوختهم ، ولا على احساسهم بالخطر الدائم ، و تـَخـَفـِّيـهـِم في معاطفهم و رقبات البلوفرات العالية السميكة . واضعين أيديهم في جيوبهم المكدَّسة بالمناديل .

و أعلم جيداً أن بينهم و بين أنفسهم يحسدونني على قصة حبي مع رجل السماء الذي قد أفاق من وعكته ، و نفض السحب عنه و نهض ليهدهدني .

و أختال أمامهم بلا شعور بالذنب . و لا أتمنى لهم الحرية من هذا للظلام و هذه القهوة الباردة . ولا من
هدوء و رومانسية حب المطر. لا و هذا التظاهر الخشن بالأناقة الغير واثقة ... التي تستر العيوب ...

Wednesday, December 30, 2009

الـمديـنـة الأخـرى الـتـي اخـتـطـفَـتـنـي


تقول لي أمي أنني و أنا رضيعة كنتُ أتأمَّل كفِّي أكثر من أخواتي . أتأمَّلها كثيراً و أقلِّبها و كأنني أعلِّم نفسي كم الأشياء التي يمكنني أن أفعلها بها .

***

أركب الترام من محطة الرمل ، و أجلس ، و تتحرَّك الترام ، و تترك المحطة ، و لا يركب العربة سواي و فتاة تجلس قبالتي ، و آخريات .
" ليه الترام مشيت و لسة مافيش ناس راكبة ؟ "
و فتحت الفتاة التي أمامي حواراً . و بدأت في السرد بحماس . و أنا لا أركِّز في كلمة واحدة تقولها . لكنني أحببتها ، و بثـَّت فيَّ روحاً طيبة كانت تشبه صديقة من القريبات إلي قلبي . و أوهمتها أنني أستمع لها . و هي تحكي و تضحك و تعلِّق و تقذف بالتعليقات التي تضحكني من قلبي بحق .

***

فاتتني محطتي . و رأيتُ أن الترام لم يركبها أحد . فقط أنا و الفتاة . و توجَّهت بنا إلي مكان لا أعرفه . مدينة أخرى غير مدينتي . مدينة أكثر هدوءاً و تنسيقاً .

خفتُ ...

تأخَّرتُ كثيراً . كنتُ على موعد معه . الرجل الذي أحب . سيقلق عليَّ و ستتلخبط أحواله . صحتُ من النافذة في المدينة الأخرى التي اختطفتني " ليه دايماً يحصل كدة أيام إمتحاناتهم ؟ لــــــيـــــه ؟ "

و الترام تمر من نفق حجري رمادي اللون ، نبت الزرع بين قطع الحجارة . كانت الرائحة رائعة . لكنني تأخَّرتُ عليه . عليَّ أن أعود . و أنا على وشك النهوض ، أمسكت الفتاة بمعصمي بقوة . و أشدَّت قبضتها عليه بشكل لا يتناسب مع حجم كفها الصغير . و بـِحـِس مـُطـَمـئـن قالت و هي تنظر لأعلى :
" شــشــشــشــشــشــشــش.... سامعة ؟ "
سمعت صوت احتكاك . و بدأ الصوت يعلو و يتحوَّل إلى صرير ... نظرتُ جيداً أمامي ، رأيتُ أن عربة الترام التي نحن بها تمر من نفق ضيق ، أضيق من أن يسعها ، و بدأت العربة تضيق بفعل احتكاكها بجدران النفق ...

لم تترك الفتاة معصمي بعد ، شعرتُ بخاتم في يدها يؤلمني . نظرتُ وجدته الخاتم الجعران الذي دائماً أرتديه أنا و لا أخلعه أبداً .

"محدِّش ياخد مني حاجة بقى . أنا اإتأخـَّرت... محدِّش ياخد مني الخاتم ، أنا اتأخَّرت " ... أصيح في الفتاة التي سرقت خاتمي .

و أخذتُ الخاتم من اصبعها و لبسته و نزلتُ من الترام . و لم أرى الفتاة مرة أخرى .

***

كانت الترام قد توقـَّفت داخل النفق الضيق . و أنا أسير في ظلامه . ثم بدأ النور يظهر و وجدتُ نفسي في ممر ضيق كان موجوداً في جامعتي القديمة . سعدتُ جداً ، و بدأت في رؤية أوجه مألوفة . و رأيتُ وجهي أيضاً في أحد النوافذ و رأيتُ أن أنفي لم تعد أنفي . أصبحت أنفه هو هي التي في وجهي .

" يا سلام؟ للدرجة دي؟ كل مرة يعني تحلمي الحلم دة ؟ " قلت لنفسي .

و رأيته يقف مع بعض الناس حوله . أسرعتُ نحوه ، و أردتُ أن أبرر تأخيري و أردتُ أن أحكي له عن مغامرتي . لكنه لم يحتفي بي ، فقط نظر لي و أفسح لي المجال لأقف بجواره ، و كأنني ذهبتُ لشراء شيئاً .. و ها أنا قد عدتُ .

استندتُ بجواره إلى الجدار . منتظرة إياه أن ينتهي من حديثه مع هؤلاء الآخرين الذين لا أعرف أحداً منهم . و أمسكتُ بيده بقوة بين كفيَّ ... و كانت تلك لفتة مستحيل أن أفعلها أمام ناس لا أعرفهم ، و داخل الجامعة . ثم رأيتُ يده تتحوَّل في يدي إلى كف أبي - بأصابعه الممتلئة القصيرة ، و بتلك العلامة التي على ظهر يده من حروق الشمس و القيادة في الخليج .

قبَّلتُ يده ، و ممدتُ يدي نحو أنفي وجدتها لم تزل أنفه ...

"مش جميلة ... هية بس إيد إبويا "

***

ما القصة معي و مع الأكف و الأصابع ؟ ليست هذة أول مرة أن أحلم بالأنوف ... لكنها أول مرة أبوح بقصة كف أبي الذي يأتيني في أحلامي مرات و مرات ... في أشكال مختلفة . و مع ناس آخرون .

استيقظتُ من حلم نصف النهار و أنا لدي فقط القدرة التي تكفيني كي أعِد لنفسي كوب شاي بالحليب ، و أجلس لأرسم العمارات المتراصَّة بجوار بعضها ، على أسطحها تهفهف قطع الغسيل المنشورة ، و " أرايـِل" التليفزيون و خزَّانات المياة ، و خيوط الزينة التي تشبه زينة رمضان .

" منين جالك الصبر دة ؟ " تسألني أمي و هي تمر بجواري . أبتسمتُ و رددتُ بيني و بيني . منذ رأيتُ الأيدي الممدودة إليَّ من كل ناحية ، و بطرق أخرى غير المعتادة و غير المرئية ... تعلَّمتُ أن أستخدم يدي .

لعل أحدهم يحلم بكفه تحوَّل إلى كفي ذو خاتم الجعران . أو ينظر أحدهم في المرآه و يرى حاجبيَّ الغير متساويين في وجهه . أو يرى أسناني غير متراصَّة في ضحكته .

"مش جميلة ... هي بس مناخيره "


Friday, November 20, 2009

أحــلام لا تـــوشـِــك عــلــى الــتــحــقـُّـق


على القلب أن ينخلع . و على العين أن تدمي و تنتفخ.

لكن هذا هو الوضع منذ نعومة الأظافر.

***
الحقيبة ذات العجل و هي تجرجر على السيراميك تحمل لأذني صوت المؤذِّن بالرحيل. تنسد أذني من فرط كتمان البكاء في كل مرة. و تدق فكرة غريبة على رأسي ؛

هو رجل المفاجآت...لعله دبَّر الأمر كله هذه المرة كي يفعلها في آخر لحظة و يجري نحونا رامياً جواز سفره من يده اليمنى ، و حقيبة سفره من يده اليسرى...

ربما سيفعلها هذه المرة ... لا يمكنني أبداً التنبؤ بمفاجآته.

***
العلكات تمنع البكاء. و تفك انسداد الآذان.

إلا في هذا اليوم...

كل مرة أذكِّر نفسي بالمرة التي سبقتها ، و أتذكر ما فعلته بنفسي كي أتكيَّف مع غيابه ، و كم أقول لنفسي أن المرة المقبلة حتماً ستقضي عليِّ.

لا شيء في العقلي إلا رغبتي في بقائه .

و أشعر فجأة أنني مُنهَكة.

و لا شيء يؤلمني بحق إلا أنني لا أجد شخصاً ، من لحمِ و دمِ ، لألومه.

***
أنا أتغيَّر...

كل مرة يأتي عليَّ هذا اليوم ، أكن مختلفة. لكن أستقبل الأمر بنفس الطريقة في كل مرة.

...


السنوات تمر. و هو يرحل و يعود...

يطول شعري و يقصر ، تتسع بناطيلي و تضيق ، يثقل عقلي و يخف ... و هو يرحل و يعود.

تمتلئ حقائب يدي و تفرغ ، يضطرب قلبي بالحكايا و يهدأ ... و هو يرحل و يعود.

...

السنوات تمر. و التفاحة قد نضجت تماماً... لكن عندما يأتي الأمر إليه ، أنا طفلة متعلِّقة ببنطاله ، أتوسَّل و أبكي له كي يحملني و يدور بي في الهواء.

أغلق عيني بقوة ، و أحاول التذكُّر...

هذا ما يحدث معي منذ أن بدأ عقلي في تخزين الذكريات. إلا أنهم يقولون لي أنني بقيت أول ثلاثة سنوات من عمري دون أن يرحل و يعود. ثلاثة سنوات.

إلا أن الأمر معي جاء بالعكس...كلما كبُرت ، كلما بات الرحيل أكثر ألماً ، و أعمق . مرة بعد مرة . كلما صرتُ أنضج ، كلما ينمحي كل ذلك في لحظة ، و أجد نفسي أنكمش لأعد أكثر طفولة مما كنت عليها و أنا طفلة.

***
أحلام أبي بابنته لا توشك أبداً على التحقق. هنالك دوماً المزيد من أجلها. الفساتين . العطور . الموبايلات . الجامعة . السيارة . أماكن قضاء العطلات ...

ابنة أبي ليست خارقة القدرات ، لكنها تملك تلك القدرة على التكيُّف مع الأوضاع كما هي...

ما لها لا تقدر على التكيُّف مع رحيله ؟

لا توجد حلول...سوى تلك التي تجعلها تصبر من العام للعام الذي يليه كي تعوِّض ما تفتقده. و كلها بمثابة كبسولات المسكِّن. لا توجِد حلاً – تمرر الوقت ، و تطيل حبال الصبر.

***

أحلامي بأبي ، لا توشك أبداً على التحقق ، هنالك دائماً المزيد من المكالمات الدولية ، المزيد من الرحلات للصرافة و العودة بأكياس القمامة التي أحمل بها أوراق توت عنخ آمون...

***
مالي كثيرة الكلام الليلة ؟

***

ذلك الفيلم الذي رأيته من أعوام على القناة الثانية ، و أخذني للبكاء كالأطفال ، هو ما يتكلَّم ...

والغرض الحقيقي هو أن أجعل الجميع يراه...

الاسم :
Father And Daughter

اخراج :
Michael Dudok De Wit

مدة الفيلم :
8 دقائق

فاز بجائزة الأوسكار كأحسن فيلم قصير (صور متحرِّكة)


تحميل :

http://rapidshare.com/files/34062242/Oscar_Short_Animated_Film_2000_Father_and_Daughter_-_8_08-curta_d_anima__o-by_H-RAMOS.rar



أو

اضغط هنا لتحميل الفيلم


هذا هو غرضي الحقيقي ...

أن أجعل كل الأصابع تمس هذه الندبة على قلبي ...

مد يدك أيها الصديق ، و لا تخذلني . و دعني أُريك الفيلم الذي يبكيني في كل مرة .

Sunday, November 1, 2009

كـل الـسـواعـد الـتـي تـحـمـل عـنـي



تذكَّر جيداً أنني من البداية لا أملك صكوك العتق...أنا منشغلة بأمور أخرى.

***

قيل لي ذات مرة أنني إن عجزتُ عن وصف شيء ، يمكنني أن أقارنه بشيء آخر يختلف عنه.
ستكون مندهشاً كالأطفال و أنا أخبرك عن كم الأشياء التي تشبهك كل يوم.

أعلم أنك لا تعلم. و يمكنك في كلمة أن تكذِّب ما أقول ، تفهُّماً منك لطبيعة الأشياء في عقلي. و لونها في عيني. و شكلها على أصابعي. و بشكل ما ... أنت على حق.
***
في بدايات المراهقة كان هنالك شيء مقرَّب إلي قلبي تفعله أمي معي كل فترة ، و مازالت تفعله حتى الآن .
كلما تمر على صيدلية لشراء شيئاً ما ، تحضر لي معها مجموعة مستحضرات لِحَب الشباب الذي كان يظهر لي على طرف أنفي ، أو طرف الشفاه العليا ، أو في الوادي الضيق بين جانب أنفي و خدي. كانت أمي ترتعب منها أكثر مني تقريباً ، و كان يتسرَّب شعورها إليَّ. هذه المستحضرات هي زجاجة غسول وجه ، زجاجة لوشن لإزالة المكياج ، و زجاجة مرطِّب. جميعاً من نفس الماركة ، و لهم نفس الرائحة.
أتعلم؟ كلما أتذكَّر... أجد أن رغوة الغسول كانت أنعم رغوة مرت على أصابعي. من فرط هشاشتها لا أشعر بها على يدي و أنا مغمضة العينين.

إنها نعومة رغوة الصابون يا عزيزي ، هي ما جعلتني أنصت إلى ما تقول...

***
القط الذي تربيتُ معه ، كان إنساناً و أحببته أكثر من دراجتي. و لم أكن أغادر البيت كي ألعب بالدراجة في الشارع ، كي أكِنُّ معه بالبيت.
كان قطاً حساساً و طيب. كان أطيب مني. و كان متعالياً و واثق. لا يسمح لأحد أن يحمله أو يأخذه تحت البطانية. لكن في أوقات دورتي الشهرية ، أو أوقات بكائي كان يشعر بي ، و يأتي إليَّ و يجلس على ظهري. و يدور دورتين حول نفسه ، و يتكوَّر على نفسه و ينام هنيئاً.
أسكن أنا مكاني مستمتعة بصحبته ، و أغيِّر وضعي كي أمسِّد شعره. كان يحب أن أداعب ذقنه ، و كانت عنده بقعة مشمشية اللون على طرف ذقنه ، كنتُ أضع إصبعي عليها و أحرِّكها في دوائر. إلى أن أسمع كركرته و تعبيره عن الرضا و الاطمئنان.
هنالك شيئاً من النقاء في القطط أفتقده في البشر؛ القط المغرور ، كان يستسلم لي ، و يسمح ليدي تدغدغ بطنه برفق دون أن أزعج نومه. و ببساطة يوجِّه نفسه ليجعل أصابعي تدغدغ أي مكان يريده هو. و يمكنني أيضاً أن أتوقف وقتما أريد ، و أنهض من مكاني. و يتحرَّك هو ليجلس في مكاني الدافئ.

إنها كركرة القط بالسعادة يا عزيزي ، هي ما تجعلني أداعب ذقنك.

***
في يوم ممطر كان عليَّ أن أذهب بعيداً في مهمة إحضار شيئاً من موقف الأوتوبيسات. و صدر منك أول تطوُّع بمصاحبتي ، و تلاه الكثير من الطلبات بالمصاحبة من قِبَلي .
و نحن جالسين في المواصلة المزدحمة ، على أحدهم أن يتطوع لجمع المال من الركاب ، و إعطائهم باقي نقودهم ، و تسليم النقود كاملة للسائق. و شاهدتك و أنت تقوم بالمعاملات المالية التي تتطلب قدرة حسابية معقدة بالنسبة لعقلي و قدراته المحدودة.
- "مين يا جماعة لسة ما دفعش الأجرة!"
- "باقي الإتنين من الخمسة اللي ورا..."
- "إنت و الأخ اللي جنبك ف الجنيه ده."
و تحرَّكت للأمام إلى طرف المقعد ، و مددتَ ذراعك إلى نهايته للسائق قائلاً : "عربيتك يا أسطى!". إن تمكَّنت أنا يوماً من إجراء هذة المعاملات دون ارتباك ، و بالسلاسة والسرعة التي قمت أنت بها ، بدون تردد سأذهب لأباشر عملي بدوام كامل كسمسارة في البورصة. كان الأمر أشبه بأنني أشاهد شخصاً يضع أطواقاً ملونة في ذراعيه و أحد أرجله و رأسه و وسطه ، و يجعلها تدور و تدور دون أن يترك أحدهم يسقط أو يتوقف. استعراض كبير. رائع و مدهش. كنت على وشك أن أصفِّق لك وسط صمت الركاب.
- "مالك بتبُصيلي و تضحكي ضحكتك الخبيثة كدة ليه؟"

إنها الأطواق المستديرة الملونة التي لا تتوقف عن الدوران ، و التي لا تشعر أنت بوجودها يا عزيزي... هي ما تجعلني أنظر إليك خلسة و أبتسم.
أتعلم ماذا أيضاً يذكِّرني بنا و بمناقشاتنا اللاذعة منها و العذباء؟

تورتة "لا بوار"... الأخف و الأجمل و الأبسط يا عزيزي.

شيكولاتة "فيريرو روشيه"... التي لا اكتفاء منها.

غزل البنات...كلما نظرتُ فوقي ، وجدته في السماء.

بائعي المناديل في الاشارات...خفاف الظل منهم ،الذين لا يمكن مقاومتهم.

محلات الملابس... كلما دخلتُ واحداً توجهتُ للقسم الرجالي ، أتحسس البلوفرات و القمصان المخططة.

طفايات الحريق الحمراء الكبيرة ، و الصناديق الثقيلة ... و كل السواعد التي تحملهما عني.

الذقون الحليقة . و رائحة النجيل . و اللون البرتقالي للصدأ على مقابض الأرجوحات. و الخيول البنية التي أمسِّد عليها دون أن أشعر و أنا أمر بجوار عربات الحنطور.

علب الـ"فيروز" ، و حاوية العطر الفخارية الموجودة بالسيارة.

كل أرصفة الشوارع التي أرمقها على طولها أملاً أن أراك صدفة. كل العربات التي لم تصدمني لعبوري الطريق بيدك. كل روث الأحصنة الذي لم أخطو عليه. كل الأغنيات التي أستمتع بها ولا أعرف أسمائها. كل ملابسي الواسعة عليَّ. و كل حقائب يدي "البؤجات". كل ثمرات الرمان معلقة لدى بائعي العصير. و بائع العرق سوس ، و صلصلته...

صَلصِلته من أجلي ...

***

ففي النهاية ليست أنا من تملك صكوك العتق من هذا الشعور و هذه العلاقة . أنا منشغلة الآن بالرقص على هذه الصلصلة العالية و المتقنة.

في مسابقات "شَد الحبل" ، و إن كنتُ أخسر... ليست أنا من تترك الحبل و تترك النِد يسقط على ظهره. أظل ممسكة به إلى أن أعبر خط الخسارة واقفة على قدمي.

... غير أنني لا أحب هذه اللعبة على أي حال . أنا آخذ الحبل و أصنع منه سريراً رائعاً لأنام عليه طويلاً دون أن تؤلمني أصابع يدي.

Monday, October 26, 2009

الـفـَتـيـل



كـُن هـادئـاً دائـمـاً يـا عـزيـزي ...

لـم يـشـتـَعـِل الـفـَتـيـل بـعـد

***

آه ... يـا بـراح عـَمـَّال بـيـضـيـق

Wednesday, September 30, 2009

أنـــا ، و الشـيـكـولاتـة ، و الـكـثـيـر مـن الأصـدقـاء


هنالك شيء رائع حول الكثيرين ممن حولي ؛ يمكن أن تصدر منهم أفعال بسيطة...قد تسعدني ، و قد تجعلني الأسعد على الاطلاق .

***

"بهظ" ... صديق لي تعرَّفتُ عليه بأصدقاء مشترَكين ، و في غمضة عين هكذا .
بعدما عاد من سفر إلى مكان ما ، عاد إلي بقطعة شيكولاتة عملاقة. شيكولاتة سوداء مُرَّة . دون أن يعلم أنها ذوقي تماماً من بين كل أنواع الشيكولاتة .

***

"جهاد" ... صديقة لي تعرَّفتُ عليها فجأة ، قفزت من مكانها و أتى بها القدر في طريقي ، و قذف بها داخل قلبي مباشرة .
في جلسة ما وسط الأصدقاء في مكان ما ...
" اغلقي عينك ... تخيَّلي شيكولاتة دافئة و لها رائحة ، ناعمة كالمخمل أمامك الآن ... و تخيَّلي حبة فراولة صغيرة باردة و لامعة بمجرَّد أن تقضميها ، ستشعرين بطعم العصير ... و تخيَّلي أن تغمسي هذه في تلك ... و ببطء تأكلين ..."
-
" ها ؟ ... نِفسِك ف إيه دلوقتي؟؟" قالت لي
قبضتُ على عقلي متلبسة بأمنيتين ، الثانية فيهما أقوى من الأولى ...
"قبلة ناعمة" ، أو "حبة فراولة أخرى"

***

"ماجد"... أخ لم تلده أمي ، تعرَّفتُ عليه بعد أن فاتتنا فرصة ظنناها فرصة رائعة لنا.
في يوم مضى ، كنتُ حزينة و أشعر بالملل ، و أحتسي النسكافيه في المقهى بصحبة أشخاص لا يسعدني حديثهم... دخل ، و أقحم نفسه في الحديث كي ينقذني - أو هكذا أحببتُ أن أصدِّق - و أمسك بحقيبته الصغيرة ...
"حقيبتي يا حقيبتي ... ماذا بحوزتك لـ سارة الجميلة؟"
و أخرج منها قطعة شيكولاتة كورونا . كان لها مذاق رائع.

***

"بغدادي" ... صديق جديد ، أرى فيه أنه يعاني أزمة المظلوم و أزمات عدم تقبُّل الواقع . و حتى اليوم أعلم أنني لستُ مخطئة.
في محاضرة ما في جامعة أنا و هو غرباء فيها ، لم أجد غيره أعرفه في المكان. ذهبتُ و جلستُ بجواره ، و تبادلنا الحديث عن الأحوال . و ثم بدأنا نتحدَّث عن دكتور بعينه ، و عن طريقته المسرحية في التدريس ... و قال لي أنه كان يرتجف خوفاً أمامه...
-
" أنا حسيت إني قاعد قدام عادل إمام في مسرحية الزعيم !"
و قال لي - بابتسامة العالِم بالأمور- أن الدكتور يقتبس جملاً كاملة من أفلام أجنبية ، و يقولها كما هي ...
Jurassic Park...-
شـُفـتـيـه؟
ثم مد يده داخل حقيبته و أخرج قطعة شيكولاتة مفتوحة و اقتسمها بينه و بيني ، وأنا أحبها ذائبة كما أعطاها لي .

***

"صفوان" ... في ظروف غامضة ... أصبح كل شيء.
في يوم حار ، أهرول خارجة من الجامعة بعد أن خذَلتُ نفسي في امتحان ما . أجده أمامي ... و أنفجر أمامه بكل الثورة . أَبسَطَ وجهه في وجهي باهتمام و سألني عن ورقة الأسئلة . و أشرتُ له على الأسئلة التي أخفقتُ بها . ضحك
" أين مكتب هذا الأستاذ؟ إن رسبتِ في هذه المادة سيجد مكتبه كومة من التراب"
و لما ابتسمتُ قليلاً تمنى لي النجاح ...
-
"انشاء الله خير ... ماتخافيش!"
و أخرج من جيبه قطعة شيكولاتة كادبوري ، التهمتها دفعة واحدة ، و سقط جزء منها على الأرض ... انحنيتُ لأجلبه ، و وضعته جانباً ...
-
"هجيبلك واحدة تانية !"
و بالمناسبة ... طـَرَقـَت أمنيته لي باب السماء ، و دخلت .

***

...ـ"علاء خالد"
الإنسان الإنسان ، و الأب الروحي .
بعد طول سفره ، عاد ... و بين كل الأشياء التي يمكن أن يجلبها شخص من أمريكا لفتاة في مصر ، جلب لي علبة شيكولاتة . و بين كل أنواع الشيكولاتة ، انتقى الشيكولاتة المُرَّة . دون أن يعلم أنها ذوقي تماماًُ من بين كل أنواع الشيكولاتة .

***

كل من حولي يبدون رائعون عندما أكتب عنهم . و عندما أقرأ ما كتبتُ ، و أشعر أنني حتماً أسعد فتاة خُلِقَت . لكن يكفي حديثاً فضفاضاً ، فلأتذكر جيداً ...

كل هذا حدث مُقسَّماً على عامين ...

فأتأمَّل عضلات برزت فجأة من ذراعي . و أشعر أنني حتماً أقوى فتاة خُلِقَت ، كي أنجو طوال عامين بـ ستة قطع شيكولاتة مُهداة فقط ...


أليس هذا أمراً مُحزِناً ؟!


... نعم ، تلك هي الحكمة التي تقال في فتاة الشيكولاتة السوداء المُرَّة ، التي هي نفسها لم تكن تعلم أنها ذوقها تماماً من بين كل أنواع الشيكولاتة .